ابن تيمية
29
مجموعة الفتاوى
وَالْقُرْآنُ قَدْ فَرَّقَ فِي اسْمِ الْهَلَاكِ بَيْنَ شَيْءٍ وَشَيْءٍ . فَقَالَ تَعَالَى : { إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَالُوا مَا هِيَ إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } وَقَالَ { وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَقَالَ : { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } وَقَالَ : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ } وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : { إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ } وَقَالَ : { أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ } { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ } . فَهَذِهِ الْآيَاتُ : تَقْتَضِي أَنَّ الْهَلَاكَ اسْتِحَالَةٌ وَفَسَادٌ فِي الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ لَا أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ وُجُودُهُ مِنْ نَفْسِهِ إذْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ تَشْتَرِكُ فِي هَذَا . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ قَابِلٌ لِلْعَدَمِ لَيْسَ وُجُودُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَوُجُودُهُ مِنْهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ وَاضِحٌ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قَابِلٌ الْعَدَمَ لَيْسَ وُجُودُهُ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ الْخَبَرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَإِنَّ وُجُودَهُ مِن اللَّهِ .